جرائم الإمتناع
Loading...
Date
2015
Authors
Journal Title
Journal ISSN
Volume Title
Publisher
كلية الحقوق والعلوم السياسية
Abstract
إن جرائم الامتناع كما مرّ معنا هي من أقدم ما عرفته البشرية من الجرائم، فالحضارات
وعلى اختلافها وتنوعها كانت السباقة إلى وضع تشريعات وقوانين مما ينم على تطور هذه
الحضارات وعراقتها.
فعلى اختلاف المراحل نجد التنصيص على جرائم الامتناع بمختلف أنواعها وأصنافها حتى وإن صح القول بأن الدافع إلى ذلك لم يكن هدفه الاهتمام بهذه الجريمة، بل لأغراض قد تكون سياسية أو أخلاقية أو أدبية، إلا أن هذا كله لا يمنع من القول بأن هذه الأسباب كلها عبارة عن عوامل أساسية لتكوين القاعدة القانونية، ومن هذا المنطلق كان ظهور هذه الجريمة كتأصيل لها في كل المنظومات القانونية على اختلاف العصور، لذلك عرجنا على الماضي البعيد ليظهر لنا أن جرائم الامتناع قد عرفتها القوانين القديمة، كما عالجتها الشريعة الإسلامية بصورة أدق ليس في القوانين القديمة فحسب بل حتى من القوانين الراهنة، فقد مرّ معنا في تناول هذا النوع من الجرائم إحاطة الشريعة بها وتقريرها لها، وما وصلت له القوانين والأنظمة الوضعية المعاصرة إنما هو لبيان فضلها وسبقها.
ولقد ظهر من خلال هذه الدراسة أن الجريمة السلبية تمثل من الخطورة والأهمية ما لا نقل عن الجريمة الإيجابية، ومفاد ذلك مساواة السلوك السلبي بالسلوك الإيجابي بوصفيهما شكلين للتصرف الإنساني، ذلك أن الجريمة تقع بأي منهما، وهو ما يؤدي بنا إلى القول بصلاحية الامتناع لإحداث نتيجة يأخذها قانون العقوبات بنظر الاعتبار، وبالتالي المعاقب عليها.
وإذا كان السلوك الإنساني يتجسد في صورتان السلوك الإيجابي والسلوك السلبي، فإن الامتناع هو الصورة السلبية له، فلا يستقيم إذن القول بأن الامتناع عدم أو فراغ، بل أن الامتناع هو التخلي الإرادي عن القيام بعمل معين يوجب القانون القيام به، فهو سلوك إرادي لابد من توافر الإرادة فيه، فإذا كانت الإرادة في الفعل هي الإرادة الدافعة، فهي في الامتناع إرادة مانعة، ومن ذلك نخلص أن الامتناع ذو صفة طبيعية قانونية، فهو ليس عدم، بل إحجام عن القيام بعمل إيجابي يتطلبه القانون. وهذا المعنى يجد له صدى في فكرة التجريم، ذلك أن. سعي القانون وغايته إنما هي تحقيق حماية المصالح الأساسية للمجتمع، وذلك ما يطلب الإحجام عن الأعمال التي تمس هذه المصالح أو الالتزام بالقيام بأعمال لازمة لحمايتها.
فيستوي بذلك أن يحدث المساس بالحق محل الحماية بارتكاب الفعل الجرم أو الإحجام
عن أداء عمل المطلوب، فهو يجرمه لأن فيه كف عن الأداء اللازم لحماية حق أو مصلحة واجبة الحماية، وهذا هو الجانب الطبيعي للامتناع.
أما فيما يخص نطاق جرائم الامتناع، فإنه يمكن الإقرار بإمكانية قيام المساهمة بنشاط سلبي في جرائم الامتناع، فكما يتصور قيامها بالنسبة للجريمة الإيجابية يمكن قيامها في الجريمة السلبية، وكذا إمكانية قيام الدفاع الشرعي فيها، أما الشروع فقد ذهب الراجح في الفقه إلى عدم تصوره في جرائم الامتناع المجرد وإمكانية تصوره في جرائم الارتكاب بطريق الامتناع.
ومما يجب التنويه به هو أن جرائم الامتناع هي جرائم قليلة ونادرة مقارنة مع الجرائم الإيجابية وسبب ذلك أن القانون في أغلب الحالات ينهي أكثر مما يأمر، ذلك أنه هناك مئات من الوقائع السلبية في الحياة اليومية يقترفها الأفراد دون رقيب ولا تقع المسؤولية الجنائية على مرتكبيها وذلك لعدم وجود النصوص التي تجرمها وأنه وبالمقارنة مع التشريعات المقارنة، فنجد أنه في التشريع المصري هناك تنويعا كبيرا في النصوص القانونية التي تجرم لنا الامتناع، منها جرائم ا الامتناع عن دفع الأجرة أو غرامة ركوب وسائل النقل العام، أو عن دفع درجة التذكرة وهو ما جاء في نص المادة 180 مكرر من ق.ع.م؛ وكذا جريمة الامتناع عن دفع ثمن المأكولات أو المشروبات أو أجرة الفندق أو السيارة والتي نص عليها في المادة 324 من ق.ع.م؛ وكذا في القانون العراقي ما يسمى بالامتناع عن الزواج بأنثى بعد وعدها وهو ما نصت عليه المادة 395 من ق. ع. ع ؛ وبالمقابل نجد أنه وفي التشريع الجزائري شهد ندرة في النصوص التي تجرم السلوك
السلبي.
لذلك يجب أن يعمل التشريع الجنائي على النص على هذا النوع من الجرائم، مع ضرورة المساواة بين السلوك الإيجابي والسلوك السلبي بوضع نصوص صريحة تجرم كل سلوك امتناع قد يؤدي إلى وقوع ضرر للغير، بحيث لا يترك المجال للشك أو التأويل، مما يجعل عدم حصر أو ضبط السلوك السلبي سببا في تزايد هذه الجرائم، وبالتالي إفلات العديد من المجرمين من العقاب. فالمتتبع لنصوص قانون العقوبات يدرك تمام الإدراك أن المشرع يفاوت بين الجريمة الإيجابية والجريمة السلبية، فعقوبة الجريمة السلبية قلما تصل إلى جنايات، بل أن بعضها جنح وأغلبها مخالفات.
ولعل النقص لا ينسب للنصوص القانونية وحدها، بل لابد من تفعيل دور الفقه في التأصيل لهذه الجريمة ووضع الضوابط التي قد تساعد المشرع في الوصول إلى وضع نصوص تشريعية في مسألة . جرائم الامتناع، وإن كانت الكتب في هذا الموضوع قليلة جدا في الفقه المقارن
ونادرة في الجزائر .
ومن الناحية التطبيقية، فإنه وفي الخوض في الاجتهادات القضائية، نجد أن هذا النوع
من الجرائم لم يثقل عبء المحاكم القضائية، فقليلة هي تلك الأحكام والقرارات التي تفصل لنا في جرائم الامتناع، وإن وجدت فما أكثرها تلك التي تتعلق بالأحوال الشخصية، فنجد الامتناع عن تسديد النفقة والامتناع عن تسليم المحضون و جريمة ترك الأسرة ... الخ.
بل أنه وبسؤال رجال العدالة من محامين وقضاة، فإنّه لم يسبق لهم وأن فصلوا فيما يسمى بجريمة نكول العدالة أو ما يسمى بامتناع القاضي عن الفصل في الدعوى، وكذا جريمة امتناع الطبيب عن تقديم المساعدة، بل حتى أن البعض منهم يجهل هذا النوع من الجرائم وهو ما يدل على نقص الوعي بهذا من الجرائم الأمر الذي يؤدي إلى تعزيز وتفعيل دور الجمعيات والهيئات الناشطة وكذا وسائل الإعلام في نشر ثقافة المساعدة و التعاون بين الأفراد، فلقد لاحظنا أثناء الدراسة أن سبب امتناع الناس خصوصا عن المساعدة هو خوفهم من الوقوع تحت طائلة
المسائلة الجنائية.