الحرب الروسية الأوكرانية من المنظور الواقعي: الخلفيات والتداعيات
Loading...
Date
2026-06
Authors
Journal Title
Journal ISSN
Volume Title
Publisher
كلية الحقوق والعلوم السياسية
Abstract
سعت هذه الدراسة في مجملها إلى تحليل المسببات الجذرية والآثار متعددة الأبعاد للحرب الروسية الأوكرانية من خلال المنظور الواقعي محاولة في الوقت ذاته اختبار المنظور الواقعي كإطار نظري في مواجهة نزاع بالغ التعقيد والإشكالية التي أطرت هذه الدراسة لم تكن مجرد سؤال وصفي، بل كانت في حقيقتها رهانا معرفيا يدور حول تقييم مدى قدرة المنظور الواقعي على تفسير خلفيات وتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية ، في نظام عالمي تتصاعد فيه التحولات الجيوسياسية وفق حسابات المصلحة المعرفة بالقوة. وقد تم الاعتماد على المنهج التاريخي من أجل تتبع مراحل تطور الجذور التاريخية للعلاقات الروسية الأوكرانية والمنهج الوصفي التحليلي لوصف وتحليل الخلفيات الجيواستراتيجية للصراع، وابراز نقاط القوة والقصور في الاطار التحليلي للمنظور الواقعي.
ونظرا للأهمية العلمية لموضوع بحثنا، ومتطلباته المنهجية للتعمق في التحليل فقد أسفرت الدراسة عن مجموعة من الاستنتاجات عبر فصولها الثلاثة، نوردها حسب كل فصل كما يلي:
- أثبت الفصل الأول أن مفهوم الحرب يتقاطع مع عدة مفاهيم أخرى، تمثل كل منها وصفا لمرحلة من مراحل الصراع بين الأمم وأن الحرب هي النتيجة النهائية لهذه المراحل. كما أن الحرب في عرف القانون الدولي تعتبر عدوانا غير مشروع على مبدأ سيادة الدول إلا في حدود الدفاع عن النفس ضد اعتداء خارجي من طرف دولة أخرى. وتماشيا مع هذه الاعتبارات تأسس الموقف الروسي على أساس وجود خطر هجوم محتمل ضد روسيا ما يبرر حقها في استخدام القوة المشروعة ضد أوكرانيا تحت وصف الدفاع الشرعي، واتبعت الاجراءات القانونية أمام هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي لتبرير هجومها على أوكرانيا. ومن الناحية المنهجية تعرفنا في هذا الفصل على الأساس المنهجي الذي تبنى عليه تحليل الحرب الروسية الأوكرانية في الفصلين التطبيقيين من خلال الاعتماد على مستويات التحليل لكينيث ولتز في تحليل الأسباب وتحليل التداعيات حسب أبعاد الحرب كما سمحت لنا الدراسة في هذا الفصل للاستحضار أسس ومرتكزات البراديم الواقعي بمدارسه الثلاثة وخلصنا إلى معرفة أن الجيل الثالث من البردايم الواقعي (الواقعية النيوكلاسيكية تحاول الجمع بين تركيز الواقعية البنيوية على ضغوط النظام الدولي وتوازن القوى، وبين تأثير العوامل الداخلية للدولة (إدراك القادة للتهديدات والفرص، طبيعة المؤسسات السياسية قدرة الدولة على تعبئة مواردها مستوى التوافق الداخلي......) في صنع السياسة
الخارجية. وهو ما يجعلها أكثر قدرة على تفسير اختلاف سلوك الدول في ظروف دولية مشابهة.
- بين الفصل الثاني أن العلاقات الروسية الأوكرانية ضاربة في القدم وتربط بينهما وحدة الهوية والعرق والجغرافيا، وهي مؤشرات قوية على المصلحة العظمى لروسيا اتجاه أوكرانيا تقودنا إلى فهم أسبابرد الفعل الروسي على توسع الحلف الأطلسي خلافا لمن يرى أن تصرف بوتين كان عن سوء تقدير للرد الأوكراني، ويتضح ذلك أيضا بالنظر لكون الغرب كان مدركا لخطورة وحجم الرد الروسي على السياسة التوسعية للحلف الاطلسي من خلال تحذيرات مجموعة من قادته على رأسهم ويليام بارنس) ومنظريه (مثل زبيغنيو بريجنسكي، هنري كيسنجر، وجون ميرشايمر كما أوضحت الدراسة احترام الحرب الروسية الأوكرانية لمراحل تطور النزاع وفقا للدراسة النظرية في الفصل الأول، من الجانب التحليلي توصلت الدراسة إلى أن الواقعية بمدارسها الثلاثة لاتزال تملك قدرة تفسيرية رفيعة حين يتعلق الأمر بفهم الدوافع والمحركات، حيث تبين أن توسع الحلف الأطلسي شرقا لم يكن مجرد إجراء تغني أو أمني محدود بل فهمته موسكو على أنه تهديدا وجوديا يطعن في مجالها الحيوي، يتوافق فيه السلوك الروسي مع المعضلة الأمنية التي تفرضها البنية الفوضوية للنظام الدولي . بيد أن الدراسة أظهرت في نفس الوقت أن الواقعية الجديدة تعاني من إخفاق جلي حين تواجه الأبعاد غير المادية للصراع، ولم تستطع استيعاب دور الهوية الوطنية والثقافة السياسية والسرديات التاريخية التي أدت دورا محوريا في تعبئة المجتمع الأوكراني ودفعته نحو مقاومة مستدامة . وهو ما يدفعنا لاستدعاء مقاربات مكملة لتجاوز الصندوق الأسود للدولة والانعطاف نحو التفاعلات الداخلية المؤثرة في صناعة القرار .
- توصل الفصل الثالث إلى أن تداعيات الحرب أكدت على أن هذه الحرب ليست حدثا طارنا يمكن احتواءه، لكنها تمثل نقطة تحول حقيقية في هيكل القوة العالمية ، عجلت بالانتقال من الأحادية القطبية نحو التعددة القطبية، معلنة بذلك، أقول فكرة استيعاب روسيا في المنظومة الأمنية والاقتصادية الغربية. أما فيما يخص القراءة النقدية للمنظور الواقعي، فرغم بقاء مفهوم المصلحة الوطنية والمعضلة الأمنية يلعبان دورا محوريا في فهم وتفسير تحولات بنية النظام الدولي، وعودة القوة الصلبة كأداة راسخة في حسم النزاعات في ظل تزايد التنافس الجيوسياسي، إلا أن المنظور الواقعي أبدى فاعلية محدودة في تفسير الأدوار المتنامية للفاعلين من غير الدول وكذا تأثير العوامل الهوياتية والاديولوجية في صنع القرار. وبالتالي فان مصير النظام الدولي الجديد ليس محكوما فقط بتوازنات القوى المادية، بل يتحدد كذلك نتيجة تراجع فعالية المؤسسات الدولية وتصاعد النزعات القومية وتحول الموارد الحيوية لسلاح ضغط سياسي. وأظهر استشراف هذا الفصل لمستقبل الصراع في ظل التقنيات الرقمية الحديثة تلعب دورا مهما في اطالة أمد الحرب واحتمالية التوجه لحالة جمود مكلف دون التوصل إلى تسوية سياسية سريعة.
وعليه، يمكن القول أن المنظور الواقعي يفسر بدرجة كبيرة خلفيات وتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، لكنه يبقى محدودا في تفسير بعض الأبعاد الداخلية والهوياتية للصراع، ويعاب عليه إهمال دور الفاعلين من غير الدول في تفسير الصراع القائم بين روسيا وأوكرانيا، وبحاجة إلى توسيع مفهوم
القوة الصلبة لتشمل البعد الوجودي للشعوب وتسليح الموارد الحيوية