الشرعية الجنائية في قانون المصالحة الوطنية
Loading...
Date
2014
Authors
Journal Title
Journal ISSN
Volume Title
Publisher
كلية الحقوق والعلوم السياسية
Abstract
لم تعرف الجزائر الظاهرة الإرهابية إلا بعد التحول السياسي الذي شهدته بداية التسعينيات، ولما كان المشرع يهتم بالدرجة الأولى بحماية النظام العام و المصلحة العامة، الحفاظ على الأمن والاستقرار في المجتمع وفق مبادئ القانون الجنائي الذي يبين العقوبات المرصودة لكل فعل مجرم من شأنه أن يمس ، بأحد المصالح المحمية و ذلك طبقا لمبدأ الشرعية الجنائية؛ تبنى سياسة عقابية لمكافحتها من خلال المرسوم التشريعي 03/92 و قانون العقوبات، إلا أنه لم يكتف بالمواجهة العقابية القانونية للجريمة الإرهابية و السياسة الجنائية المتشددة؛ و إنما اتبعت الدولة أسلوبا أكثر لينا، عندما لجأت إلى إعلان عفو على الذين ألقوا سلاحهم و عادوا إلى حضن مجتمعهم و مصالحة وطنية شاملة تهدف إلى معالجة آثار المأساة الوطنية و ذلك بإصدارها مرسوم الوئام المدني بموجب القانون 08/99 الذي نجح في استقطاب فئة لابأس بها من الجماعات المسلحة بالرغم من المعوقات التي واجهت تطبيقه وكذا عدم استعداد الجمهور لاستقبال العائدين من الجبال و صعوبة التأقلم من جديد في المجتمع، إلا أنه شكل النواة الحقيقية في بعث مشروع ميثاق السلم و المصالحة الوطنية و المراسيم التنظيمية اللاحقة له.
تم إقرار قانون المصالحة الوطنية بموجب استفتاء شعبي الذي يعتبر هو المرجعية لأية قوانين تتعلق بالمصالحة الوطنية، فقد كانت مشروعا اختزل تطلع شعب برمته، وأمل مجتمع مزقته الفرقة والعداوة والتناحر و الاقتتال، بعد فشل الحل بالحرب، فلم يكن حينها أحد يصدق أن تصبح المصالحة خيارا عمليا لتسوية الأزمة المتعددة الأوجه والأبعاد التي ضربت العباد والبلاد.
و مما لاشك فيه أن علماء الإجرام و العقاب يهتمون بالمجرم و الجريمة معا لتبرير إسناد المسؤولية الجزائية أو البحث عن الموانع التي تسقطها و ما يبررها قانونا، و هو الأمر الذي يستحضر في الأذهان قانون المصالحة الوطنية و ما يبرره اتجاه من اقترف الجرم الإرهابي، فقانون المصالحة الوطنية أتى في محاولة لإنهاء جروح المأساة الوطنية حيث رأينا أنه اقترح تدابيرا بإنهاء المتابعات القضائية أو إعفاء من ارتكب أو شارك أو حرّض على الأفعال الإرهابية و التخريبية أو من حمل السلاح ضد الدولة و استثنى الذين لهم يد في المجازر الجماعية أو انتهاك الحرمات أو استعمال المتفجرات في الأماكن العمومية، كما
رأينا كيف نظم المشرع تطبيق هذه التدابير وكيفية الاستفادة منها، حيث يكفون عن النشاط الإرهابي و يسلموا أنفسهم للسلطات في الآجال المحددة قانونا و يسلموا ما يحوزونه من أسلحة وذخائر إلى السلطات المختصة بذلك.
إلا أنه و بقدر ما واجه القانون الأشخاص المتورطين في الأعمال الإرهابية بنوع من التسامح والإعفاء، فقد رأينا أنه اهتم كذلك بضحايا المأساة الوطنية و قضايا المفقودين سواء من حيث الجوانب الإجتماعية أو من حيث الجوانب النفسية والسيكولوجية، و ذلك من خلال تسليم التصريح بالوفاة بعد معاينة الشرطة القضائية والتسريع في العملية بإلغاء أحكام قانون الأسرة في مسألة الموت الحكمي التي كانت تعطي مهلة أربع سنوات من معاينة الغياب، وتعويضها بمدة أقصاها ستة أشهر من تاريخ محضر معاينة فقدان الشخص تسلمه الشرطة القضائية، كما بين كيفيات تعويضهم حيث حدد أربعة أشكال للتعويض تتكفل بها خزينة الدولة: معاش الخدمة المعاش الشهري، رأسمال الإجمالي أو رأسمال الوحيد.
كذلك لم ينس الميثاق الأسر المحرومة التي ابتليت بضلوع أحد أقاربها في الإرهاب حيث خصتهم الدولة بمنحهم إعانات، بشرط الحصول على شهادة إدارية من والي الولاية تثبت حرمان العائلة بعد تحقيق اجتماعي على خلاف ذوي الحقوق المعنيين بالمرسوم 93/06 الذين يستفيدون من التعويض آليا دون الخضوع للتحقيق حول الوضع الإجتماعي وتقديم تصريح حول مداخيل العائلة و هذا يعد مبادرة حسنة من المشرع في مجال المصالحة الوطنية.
كما تطرق القانون إلى إلغاء إجراءات الحرمان المتعلقة بالمستفيدين من أحكام قانون الوئام المدني، وكذا مسؤولية الدولة في رفع كل عائق إداري يواجهونه، و إعادة إدماج من تعرض للتسريح بموجب إجراءات إدارية قررتها الدولة في العمل أو دفع التعويض المناسب
حسب
الحالة.
لقد تناولنا قانون المصالحة الوطنية في بعض جوانبه الموضوعية و الإجرائية، وقمنا بتسجيل بعض النتائج أهمها:
أولا: ركز المشرع بصفة أساسية في الأمر المتعلق بالمصالحة الوطنية و في المراسيم التنظيمية اللاحقة له على التكفل بآثار المأساة الوطنية، إلا أن الاهتمام بأسباب المأساة الوطنية لا يقل أهمية عن التكفل بآثارها
ثانيا : تبنى المشرع إجراءات وقائية من شأنها منع تكرار المأساة الوطنية، إلا أن هدف الميثاق حسب ما تبينه المادة الأولى من الأمر 01/06 هو معالجة الأزمة من خلال استكمال سياسة السلم و المصالحة الوطنية.
ثالثا: بالعودة إلى مقتضيات ميثاق السلم والمصالحة الوطنية نجد أن الاستفتاء على مشروع الميثاق تم بناء على نص المادتين 7 و 77 من دستور 1996 التي تخول لرئيس الجمهورية دون غيره حق اللجوء إلى الشعب مباشرة، فالمصالحة الوطنية تقتضي مخاطبة المعنيين مباشرة لأنها تعتمد أساسا على موافقة الشعب على مشروع التسامح؛ إلا أن الدستور ذاته عندما يتعلق الأمر بالعفو الشامل فإنه يمنحه للبرلمان كاختصاص أصيل بالسلطة التشريعية بدليل نص المادة 122 فقرة 7 منه وحيث أن المصالحة الوطنية تتعلق أساسا بالعفو الشامل فإنه كان من باب أولى أيلولة الاختصاص للسلطة التشريعية وليس تأخير دورها وحصرها في مناقشة صدور الأمر 01/06 المتضمن تنفيذ ميثاق السلم والمصالحة
الوطنية.
خطيرة هي
رابعا : يوضح الدليل العملي لتنفيذ الأمر 01/06 المتضمن قانون المصالحة الوطنية أن الجهاز القضائي أصبح يعمل كجهاز تنفيذي، فالسلطة التنفيذية قد غلت يد القضاء عن القيام بمهامه في فرض القانون، وبخاصة عندما يتعلق الأمر بالقانون الجنائي، وبجرائم تعد الجرائم الإرهابية، وبالتالي هناك مساس بمبدأ الفصل بين السلطات. خامسا: إن العفو عن المتهم دون محاكمة يعتبر إدانة في حقه، على اعتبار أن قرينة البراءة هي أساس المحاكمة العادلة، بخلاف الأمر إذا تمت محاكمته ومن ثم العفو عنه، فلا يجوز حرمان الشخص من حقه في المحاكمة العادلة و بالتالي فإن الأمر 01/06 المتضمن تنفيذ الميثاق فيه مساس بمبدأ قرينة البراءة..