اليقين القضائي كشرط لهدم قرينة البراءة

Abstract
يعتبر مبدأ قرينة البراءة أساسا دستوريا لضمان الحقوق والحريات في الدول الديمقراطية، ومفترضا من مفترضات المحاكمة العادلة و حجر الزاوية التي تقوم عليه الشرعية الإجرائية. ذلك أن البراءة أمر مفترض في كل إنسان و بالتالي فإن المتهم غير مطالب بتقديم الدليل على براءته، فله أن يتخذ موقفا سلبيا تجاه الدعوى المقامة ضده، فلا يجوز تعذيبه أو حمله على الاعتراف ضد نفسه بأية طريقة مهما كانت ولا يجوز اعتبار التزامه الصمت إقرارا منه بما نسب إليه، إلا أن من شأن ذلك أن يؤثر سلبا على يقين القاضي، كما لا يجوز استحلافه. و بالمقابل يجوز له و في سبيل تبرئة نفسه الكذب. يتسع نطاق تطبيق قرينة البراءة ليشمل كل الأفراد مهما كان مركزهم القانوني، كما يشمل كل الجرائم، كما يستغرق كل إجراءات مراحل الدعوى. إن من مقتضيات الحماية الجنائية لهذا المبدأ أن يقع عبء الإثبات على عاتق النيابة العامة التي تسعى للكشف عن الحقيقة سواء كانت ضد أو لصالح المتهم. مع الإبقاء لهذا الأخير على حقه في الدفاع عن نفسه، كما أن من مقتضياتها تفسير الشك لصالح المتهم الذي يكفيه للتدليل عليه الاستناد إلى أي دليل و لو تحصل من إجراء غير مشروع ذلك أن أصل البراءة لا يحتاج إلى ما يثبته، وإنما تكون الحاجة للتشكيك في نسبة الجرم إلى المتهم، و إن كان يكفي لتحقيق ذلك بث بذور الشك في أدلة الاتهام وعلى الرغم من ذلك تبقى قرينة البراءة قرينة قانونية بسيطة قابلة لإثبات العكس، وبما أنها أصل يقيني في الإنسان فإن لا محل لدحضها إلا بوصول اقتناع القاضي حد اليقين الذي لا يساوره شك. وبالتالي صدور الحكم البات القاضي بالإدانة. يتنازع عملية البحث عن أدلة الإثبات أمران على قدر من الأهمية أولهما مدى مساسها بحقوق و حرية المتهم و بالتالي قرينة براءته، ذلك أن من شأن الإجراءات المتخذة حياله الانتقاص منها. إلا أن ذلك يجب أن يكون وفق ضمانات معينة و في حدود ما يقتضيه القانون للكشف عن الحقيقة، وثانيهما قطعية و يقينية هذه النتائج التي يستند عليها حكم الإدانة. إذ لا يجوز أن يقوم هذا الأخير على مجرد الظن والاحتمال و إن جاز للقاضي أن يرجح فرض على أخر متى استحال إلى يقين. إن الدور الإيجابي الممنوح للقاضي الجنائي في ظل نظام الأدلة الإقناعية له أثره الإيجابي في تحقيق العدالة، على خلاف القاضي المدني الذي يكتسي دوره طابع السلبية، فإذا كان هذا الأخير مقيدا بالأدلة التي ساقها الخصوم بحيث لا يملك إلا القيام بعملية الموازنة بينها و القضاء لأكثرها حجة، فإنه وعلى خلاف ذلك يتمتع القاضي الجنائي بحرية مزدوجة إن من حيث حرية الإثبات بكل الطرق إلا ما استثني بنص أو من حيث الحرية في تكوين اقتناعه اليقيني. فله الأخذ بدليل و طرح الأخر أو تجزئته متى اطمأن إلى ذلك. كما أن له سلطة تقدير القيمة الإقناعية لكل دليل و تجدر الإشارة بهذا الخصوص أنه لا يجوز للقاضي الجنائي أن يستند في حكمه بالإدانة على القرائن القضائية فقط لأنها مجرد استنتاج لا ترقى إلى مرتبة الدليل. و إن جاز له أن يعزز بها أدلة أخرى. اللهم إذا خلت القضية من الأدلة المباشرة، في هذه الحالة جاز له أن يعول عليها متى اطمأن إلى صحتها وصدقها. لم يحدد المشرع الجزائري للقاضي الجنائي طريق معين لاستخلاص يقينه، إلا أنه فرض عليه ضوابط وقيود تضمن صحته و سلامته انطلاقا من تطلب المشروعية في دليل الإدانة الواجب الحصول عليه من إجراءات مشروعة، على عكس حكم البراءة، كما يجب أن يكون دليل الإدانة له أصل في أوراق الدعوى و أن يتم طرحه على بساط البحث و التحقيق لتمكين الخصوم من مناقشته، ذلك أن استناد القاضي الجنائي في حكمه على معلومات تحصل عليها من خارج الجلسة لا يجيزه القانون، ولو كان علمه بها عين اليقين ففي هذه الحالة يجب عليه أن يتنحى عن صفة القاضي و يتقدم كشاهد و بالمقابل أجاز له المشرع أن يتصدى للجرائم التي ترتكب في الجلسات التي يترأسها و لا يعد ذلك من قبيل قضائه بعلمه الشخصي، إضافة إلى ذلك فإن على القاضي أن يبني يقينه استنادا على أدلة متماسكة ومتسائدة لا تناقض و لا تخاذل بينها. لم يفرض المشرع أي نوع من الرقابة على كيفية تكوين القاضي ليقينه و الذي يجب أن يكون نابعا من وجدانه و ما اطمأن إليه ضميره، وفق منهج لا يجافي متطلبات العقل المنطق. إلا أنه فرض عليه تسبيب أحكامه خاصة أحكام الإدانة. إذ يجب عليه أن يقنع غيره بما اقتنع هو به، ذلك أن تسبيب الأحكام يعد ضمانة للوقوف على مسوغات الحكم كما يعد وسيلة محكمة النقض لفرض رقابتها على مدى صحة حكم الإدانة و بالتالي سلامة يقين القاضي الهادر لقرينة البراءة.
Description
Keywords
Citation