سرية التحقيق في التشريع الجزائري
Loading...
Date
2022
Journal Title
Journal ISSN
Volume Title
Publisher
كلية الحقوق و العلوم السياسية
Abstract
بعد دراستنا لموضوع سرية التحقيق بشيء من التفصيل نستنتج أن صفة السرية التي
تظل ملازمة لمرحلتي التحري والتحقيق حتى التصرف فيه، هي في حقيقة الأمر ضمانة هامة قررت
لمصلحة التحقيق.
فمصلحة التحقيق تتجسد في الحفاظ على أدلة الاهتمام حتى لا تطالها أيادي العبث فتضيع مصلحة
التحقيق ومعها مصلحة المتهم، كما تؤدي إلى سلامة الشهود حيث يستطيعون أداء شهاداتهم دون
خشية أو خوف أو تأثير من المتهم، كما تحمي السرية قاضي التحقيق، فهي تؤدي إلى تفادي ضغوط
الرأي العام عليه، الشيء الذي يجعله يوجه القضية الوجهة الصحيحة والسليمة.
وإذا كانت السرية قد تقررت لمصلحة التحقيق فإنها أيضا قد تقررت لصالح المتهم وهذا بأن تضعه في
مأمن من التشنيع، وكذا حقه في التمتع بقرينة البراءة إلى غاية صدور حكم قضائي نهائي بإدانته ،
هذه القرينة التي كانت الشريعة الإسلامية الأسبق إلى تكريسها وهذا قبل أن يعرفها اعلان حقوق
الإنسان والمواطن الفرنسي لعام ، 1789ولا حتى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر سنة
1948ثم جاءت بعد ذلك الاتفاقية الأوروبية لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية سنة 1950
ليأتي أخيرا مؤتمر هامبورغ بألمانيا الغربية سنة 1979معتبرا أن قرينة البراءة مبدأ أساسي في القضاء
الجنائي.
ولدى قراءتنا لنص المادة 11من قانون الإج ارءات الج ازئية الج ازئري نجدها قررت سرية التحقيق كمبدأ
عام وهذا يجعلنا نتخيل ذلك الجو الرهيب من الكتمان الذي يطبع مرحلة التحقيق، إلا أن القانون
والواقع يظه ارن عكس ذلك ،حيث أن هذه المادة في صلبها قد جعلت من إباحة القانون سببا لعدم
انطباق قاعدة السرية بنصها:"... ما لم ينقص القانون على خلاف ذلك ...."،كما أن مداها يتقلص إذا
لم نقل ينعدم إذا كان في تطبيقها مساس أو خرق لحقوق الدفاع ،لكن ومع وجود هذين الاستثناءين
إضافة إلى الاستثناء المتعلق بممارسة حق الإعلام وحرية التعبير الذي يحد من نطاق السرية، فلا
تنقضي قاعدة السرية كون حق الإعلام يجسد حق المواطن في الاطلاع على كل ما يهمه ،ولما كانت
الصحافة وسيلة غير رسمية للمراقبة الشعبية فإنها ملزمة بواجب الولاء للمجتمع أولا وقبل كل شيء.
وسرية التحقيق لا تتعارض مع مبدأ الحضورية بالنسبة لأط ارف الدعوى خاصة المتهم والمدعي
بالحقوق المدنية، والذي يعني علانية التحقيق بالنسبة لهم في الحدود التي تحافظ على مصالح المتهم
بتكريس حقه في الدفاع، وكذا معرفته بما يعد ضده من أدلة واتهامات ،ليعد هو بدوره ما يفندها
ليدحض التهمة عنه ،وكذا ألا ترتبك مع هذه العلنية مصلحة التحقيق وهدفه .
والسرية تكون وليدة الشبهة فتبدأ ببداية الاشتباه وتستمر، ولكن يتغير مجالها وتتسع إجراءاتها بالانتقال
من التحري إلى التحقيق وذلك تبعا لزيادة صلاحيات المحقق عن صلاحيات رجال الضبطية القضائية،
ومن ثمة فإن سرية التحقيق تبدأ بأول إجراء تحقيقي لتنتهي بآخر ما ينتهي به التحقيق.
وما لاحظناه عند انجازنا لهذه الدراسة هو شح الاجتهاد القضائي الج ازئري وكذا ق ار ارت المحكمة العليا
حول هذا الموضوع، ولربما يكون مرد هذا الأمر هو عدم نص القانون على البطلان كج ازء لخرق
قاعدة السرية أو لوجود صعوبة في إثبات الضرر الناجم عن خرقها وإثبات أنه قد مس حقيقة بحقوق
الدفاع.
ولكن بالنظر إلى كون مبدأ السرية من الضمانات الكبرى للمتهم والمجتمع على السواء فإن ذلك يجعلنا
نقف موقف مؤيد للفكرة التي مفادها بقاء التحقيق سريا حتى وإن وجدت آراء تنادي بعكس ذلك من
جانب الفقه أو العامة كلما كانت هناك قضية هامة مطروحة على مستوى التحقيق، وكونها محل انتقاد
واستنكار لا يعني أبدا تركها والاستغناء عنها بل لابد من تدعيمها وتعزيزها لتحقق الهدف منها
باعتبارها قد قررت لمصلحة المتهم والتحقيق والمحقق على السواء على نحو يحفظ حقوق ومصالح
الجميع، كوجوب تحديد العقوبات تفصيلا في قانون الإج ارءات الج ازئية ضد من يفشي معلومات تتعلق
بالتحقيق، وكذا رفع درجة الوعي والإدراك لكل الأطراف المعنيين بمجال التحقيق بأهمية المحافظة
على كتمان أسراره وبيان الآثار السلبية التي تنتج عن إفشائها